الشيخ محمد هادي معرفة
332
التفسير الأثرى الجامع
ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ توثّقتم العهد والميثاق وَأَنْتُمْ اليوم تَشْهَدُونَ بذلك ، فما هذا التهافت بين القول والسلوك ؟ ! وهذه العهود والمواثيق هي بعينها هي مواثيق الإسلام الأمر الذي ينبئك عن وحدة دين اللّه القويم ، وكان التصديق بما جاء به محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تصديقا بما جاء به النبيّون من قبله . وعليه فالإقرار بشرائع اللّه السابقة ، ليستدعي إقرارا بالشريعة الحاضرة . فالإقرار بشريعة التوراة وإنكار الإسلام تهافت فاضح مضافا إلى تهافت ما بين قولهم والسلوك . وتبيينا لهذا التهافت ما بين القول والسلوك وجّه إليهم التوبيخ الشانئ : ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ يقتل بعضكم بعضا عداء ظاهرا وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تشرّدونهم إلى حيث لا مأوى لهم . وزيادة على ذلك تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ يتظاهر بعضكم مع بعض ، ضدّ الفريق المتشرّد بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ أي كان التظاهر منبعثا عن نيّة الخبث والعداء العارم . وليس عن منبعث حقّ لائح . وتهافت آخر في السلوك أشنع : إنّهم في العداء مع بعضهم البعض يتظاهرون بالإثم والعدوان . ولكن عندما يقع هؤلاء أسارى بيد أجانب غيرهم ، تثور غيرتهم ليقوموا باستخلاصهم ، حتّى ولو كان ذلك بافتداء المال . تناقض غريب في السلوك ! ! وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى أي وجدتموهم أسارى - تفادوهم - بالمال . كان هذا الحادث الغريب المتهافت واقعا قريب العهد من الإسلام . كان الأوس والخزرج أشدّ ما يكون حيّان من العرب عداء . وكان اليهود في المدينة ثلاثة أحياء ترتبط بعهود مع هذين الحيّين . كان بنو قينقاع وبنو النضير حلفاء الخزرج ، وكان بنو قريظة حلفاء الأوس . فكانت الحرب إذا نشبت بينهم ، قاتل كلّ فريق إلى جنب حلفائه . فربما قتل يهوديّ يهوديّا ، وهذا حرام بنصّ ميثاق التوراة . كذلك كانوا يشرّدون بيهوديّ كان حلفا لغير حلفهم إذا غلبوهم فيخرجونهم من ديارهم وينهبون أموالهم وربما يسبّونهم . وهذا أيضا حرام بنصّ التوراة . ثمّ إذا وضعت الحرب أوزارها جعلوا يفادون أسارى اليهود ويفكّونهم من الأسر هنا أو هناك عندهم أو عند حلفائهم ، أو عند أعداء حلفائهم .